الخطوة الأولى في التعافي من إدمان الطعام: ماذا يعني الاعتراف بالعجز؟
د. هبة الله عوض - استشارى التغذية العلاجية - المعهد القومى للتغذية
مساهم في التوعية النفسية
إذا كنت أنت أو أي شخص تعرفه في خطر فوري، أو أزمة نفسية حادة، أو تفكير بإيذاء النفس: فاتصل فوراً بخدمات الطوارئ أو توجه لأقرب مستشفى. القراءة والتواصل عبر واتساب ليسا تدخلاً في الأزمات الحرجة ولا يقدمان وعوداً علاجية.
اخترت هذه الخطوات؛ لأنها تتسم بالتسلسل المنظم والنصوص الملائمة لأسلوبي في اكتشاف الذات. إن قراءة الخطوات والتقاليد تدفعني للتفكير في نفسي ومراجعة أفكاري، بينما ساعدتني كتابة اليوميات المستندة إلى تأملاتي في تتبع مشاعري وتنظيم أفكاري. كما أن قراءة التأملات اليومية أعانتني على الالتزام، وأحيانًا وجدت في أدوات التعافي الموجودة في البرنامج حلولًا عملية ساعدتني على إحياء مسار التعافي وتطبيقه.
الخطوة الأولى:
"اعترفنا أننا بلا قوة أمام الطعام وأن حياتنا أصبحت غير قابلة للإدارة."
يبدأ برنامج التعافي في زمالة مدمني الطعام مجهولي الهوية بالإقرار بالعجز أمام الطعام، فيرد في نص الكتاب ما يأتي:
> كنا بلا حول ولا قوة أمام الطعام، قد يواجه البعض منا صعوبة في الإقرار بذلك نتيجة لما نكون قد مررنا به من تجارب عديدة في محاولة السيطرة على نظامنا الغذائي، مما لا شك فيه أن غالبيتنا قد نجح مرة أو من حين لآخر في القيام بذلك.
عدت إلى قراءة الخطوة الأولى عدة مرات، وكان في داخلي شعور بالرفض والمرارة. كيف يمكنني الاعتراف بعجزي؟ وكيف يمكن أن تكون هذه الخطوة الأولى نحو التحرر؟ تساءلت كيف يمكن أن تجد الحرية طريقها لشخص خاضع ومستسلم؟ يبدو أن هذا كلام غير منطقي، فإذا كنت عاجزًا، فكيف يمكن لشخص عاجز أن يتعافى؟ أليس الخضوع والاستسلام نتيجة طبيعية للعجز؟ كانت هذه الأفكار تدور في ذهني، لكنني واصلت القراءة.
"قد نعتقد أن نظامنا الغذائي خارج عن السيطرة حالياً، ولكن في يوم ما سنجمع شتات قوتنا المعنوية لمراجعة أسلوبنا في الإفراط في تناول الطعام. في تلك اللحظة، سنكون قادرين على السيطرة على عاداتنا الغذائية، لكن أيام السيطرة تصبح أقل تواترًا، وتزداد صعوبة مع مرور الوقت، حتى نصل إلى مدمني الطعام الذين يبحثون عن حل جديد لمشكلتهم."
الكلام يعكس واقعي إلى حد بعيد، حيث أشعر بإصرار قوي على أن ما أواجهه هو مجرد مرحلة من الانفلات. كل ما أحتاجه هو استعادة قواي المعنوية، ولدي كل المعلومات اللازمة لذلك كوني طبيبة تغذية، حيث يمكنني وضع خطة مناسبة ومرنة بما فيه الكفاية لأتمكن من تنفيذها. لم يُشخص حالتي على أنها إدمان طعام أو اضطراب تناول طعام قهري وفقًا للدليل التشخيصي للاضطرابات النفسية، لذا لا أشعر بأنني ملزمة بالاعتراف بالعجز. ومع ذلك، قد يتعين عليّ التفكير في معنى "عاجزون وبلا قدرة أمام الطعام". ماذا تعني هذه العبارة حقًا؟ فالمأكولات ليست عدوًا، بل هي حاجة أساسية للحياة، حيث إن الانقطاع عنها يُعتبر انتحارًا. إذاً، ما هو العجز؟ وما الذي يتطلبه هذا الموقف؟
بالطبع، لا يمكن أن يكون الشخص عاجزًا بشكل تام أمام الطعام. ولكن عندما يصبح الطعام محور تفكيرنا اليومي، وعندما نشعر بإلحاح قوي لتناوله، وعندما نجد صعوبة في التوقف بعد البدء، يمكننا أن نعترف بأننا نفتقر إلى السيطرة. فهذا الأمر لا يتعلق بالإرادة، بل بالأفكار المزعجة والملحة التي نطلق عليها في مجال اضطرابات تناول الطعام مصطلح ضوضاء الطعام (Food Noise).
تشير ضوضاء الطعام إلى الأفكار المستمرة والملحة التي تشغل جزءًا كبيرًا من مشاعر وأيام الأشخاص الذين يواجهون تحديات يومية بسبب مسؤولياتهم تجاه سلوكياتهم الغذائية.
في يوم من الأيام، دونت أفكاري حول الطعام، وكان من الصعب عليّ الاعتراف بعجزي، كوني طبيبة واعية. هذا الاعتراف يجعلني في موقف محرج أمام نفسي، حيث يتناقض مع قدرتي على مساعدة الآخرين، بينما أعاني في صمت.
بدأت ألاحظ كيف تسيطر أفكاري حول الطعام على ذهني منذ لحظة استيقاظي وحتى وقت نومي، واكتشفت أن هذه الأفكار تأتي بشكل متواصل، مما سبب لي إزعاجًا شديدًا.
مع أولى خطواتي خارج السرير، يبدأ تدفق الأفكار المتعلقة بالطعام والوزن. أسأل نفسي: ماذا يجب أن أفعل اليوم لأكون امرأة سليمة ومعافاة من اضطراب الأكل القهري أو الأكل العاطفي أو إدمان الطعام، إذا كنت أرغب في مساعدة الآخرين؟ لا أستطيع تحديد تشخيص معين، فلا يوجد اضطراب يحقق كل شروط التشخيص، ولكنني أشعر أنني في حالة تتطلب مني البحث عن حل (sick enough).
الفكرة الأولى
تبدأ في لحظة اللقاء الأول بيني وبين صورتي المنعكسة في مرآة الحمام، حين أشرع في التفحص الزائد أو أتجنب النظر تمامًا حسب قدرتي على التحمل في هذا اليوم، أما التفحص فنادرًا ما كانت نتيجته مرضية ومطمئنة، فدائمًا ما يصاحبه أفكار انتقادية للذات مثل: يبدو وجهي منتفخًا، ما هذه التكتلات الدهنية أعلى ذراعي؟ ولماذا يبدو بطني كبيرًا؟
أقيس أجزاء جسدي بعيني ثم تأتي الفكرة الثانية الأقسى والأكثر إزعاجًا: كم أصبح وزني اليوم؟ ويعلو صوت ملح داخل رأسي: اذهبي إلى غرفتك حالًا، قفي فوق الميزان، واعرفي إلى أين وصلتي؟ تراودني هذه الفكرة فأقاومها جهدًا، فالميزان بالنسبة لي جهاز لقياس الوزن، والرقم على الميزان ليس مجرد رقم، بالنسبة لي الميزان لجنة تقييم يتحدد عليها إحساسي بقيمتي الذاتية ورأيي في نفسي، الميزان يستطيع أن يوصمني بالفشل أو يشعرني بالرضا عن نفسي.
تنتهي فترة التفكير في الحمام والميزان، لنبدأ الفكرة الثالثة التي تتعلق بوجبة الإفطار، حيث يطرح السؤال: هل يجب أن أتناول الإفطار أم اكتفي بكوب من القهوة الصباحية؟ ثم أتذكر أنني بدأت نظام الصيام المتقطع اليوم، لكن لا أستمتع بالقهوة دون حليب. فما الذي ينبغي على تناوله للإفطار؟ هل اكتفى بقطعة من البسكويت ثم اتجه نحو إفطار متوازن؟ كم جرامًا من الخبز يمكنني تناوله دون التأثير في نظامي الغذائي؟ وإذا تناولت 250 أو 300 سعر حراري في الإفطار، ماذا يتبقى لي لبقية اليوم؟ ماذا لو شعرت بالجوع بعد ساعات من الإفطار؟ وماذا لو لم تشبعني قطعة البسكويت أو الثلاثين جرامًا من الخبز؟ هل ينبغي على تناول الخبز مع الجبن والبيض؟ هل من الأفضل تناول الزبادي مع زبدة الفول السوداني؟ هل يجب أن أذهب إلى النادي، وامشي لمدة ثلاثين أو ستين دقيقة قبل التوجه إلى العمل؟ وهل لدي الوقت الكافي لكل ذلك؟
تتلاشى ساعات الصباح الأولى، بينما يختلط في ذهني ضجيج الأفكار وصوت الطعام. أرتدي ملابسي محاولاً تجاهل شعوري بجسدي، وأرغب في الابتعاد عن تأمل المرآة. أتوجه إلى عملي، حيث تستيقظ نفسي عند احتساء فنجان من القهوة بالحليب، ويبدأ الضجيج مجددا. إذا لم أتناول إفطاري، أبدأ بالتفكير: هل أتناوله الآن أم أترك الجوع يفرض نفسه؟ وإذا قررت الأكل، هل يمكنني تناول قطعة من البسكويت لأستمتع بها مع القهوة، أم أن ذلك سيؤثر سلباً على يومي؟ وإذا فعلت، هل ينبغي لي تجنب النشويات في وجبة الغداء؟
ألاحظ أن زميلاتي في العمل يتبعن أنماطًا مختلفة فيما يتعلق بالطعام. هناك من تمتنع من الأكل، بينما أخرى تستمتع بكل لقمة، لكنها تشتكي دائمًا من زيادة وزنها، ثم تبدأ في مناقشة الأدوية المختلفة لفقدان الوزن. وهناك زميلة بدأت تأخذ حقنًا لسد الشهية، وقد نجحت في فقدان وزن ملحوظ. لماذا لا أكون مثل أي منهن؟ فأنا لا أستطيع الامتناع من الطعام، ولا أشعر بالراحة في أثناء تناوله، كما أنني أصرّ على معالجة مشكلتي مع الطعام دون اللجوء إلى أي أدوية. بالنسبة لي، الأدوية قد تمنعني من الشعور، وتقيّدني عن تناول الطعام، وعندما أتوقف عنها، قد أعود إلى عادتي القديمة.
كوني مريضًا وطبيب تغذية مدرب على علاج اضطرابات الطعام، أفهم أن الأدوية قد تفقدني السيطرة، لكن يتبادر إلى ذهني سؤال: ماذا لو لم أكن أرغب في فقدان شهيتي، وكنت أريد التوقف عن الضجيج الذي يحدث في رأسي، والذي يفوق قدرتي على التحمل؟
ينتهي يوم العمل وأثناء عودتي تتداخل في ذهني أفكار حول وجبة الغداء. هل أتناول الطعام مباشرة عند العودة أم أتحمل حتى الخامسة أو السادسة مساءً؟ أبدا في حساب السعرات التي تناولتها في الصباح، وأسأل نفسي عن عدد السعرات المسموح لي بتناولها في الغداء. كما أتساءل: هل يجب تجنب النشويات؟ وإذا كنت سأكتفي بثلاثة أو خمس ملاعق من الأرز، هل سأشعر بالشبع؟ وهل ينبغي عليّ تقطيع الخضار في السلطة وتناولها؟ هل يجب أن أختار البروتين على حساب النشويات، أم العكس؟ وماذا سيحدث إذا فقدت السيطرة؟
وما إن أتناول الغذاء حتى أبدأ بتحسس بطني وأعاود عدّ السعرات التي تناولتها على مدار اليوم، ولا يفصلني عن هذه الأفكار سوى الدخول في النوم ساعة أو اثنتين بعد الغذاء. وما إن أستيقظ من النوم حتى أبدأ في التفكير: هل يمكنني شرب قدح من القهوة أو الشاي؟ هل عليّ أن أتوقف عن الطعام ما تبقى من ساعات اليوم؟ هل يمكن لمن يريد أن يفقد الوزن أن يتناول عشاءً يشبه الإفطار؟ أم أن الاكتفاء بكوب زبادي وأبدأ في تحدي نفسي أن أمتنع عن تناول الطعام حتى ينتهي اليوم، أو أن أتناول قطعًا قليلة من أي شيء، فالعشاء في الليل يساوي تخمة وسمنة.
في ختام الليل، استلقى في فراشي، وأبدأ بمراجعة ما تناولته خلال اليوم. ألوم نفسي إن امتنعت من الطعام رغم شعوري بالجوع، أو أوبخ نفسي على استسلامي لنوبة من الشراهة أو تناولي لعشاء ثقيل. أعود إلى الفراش، وأخفى جسدي تحت الأغطية كما لو كنت أتمنى التخلص منه أو دفنه.
هل شعرت بالتعب من القراءة، عزيزي القارئ؟ أنا أيضًا شعرت بالإرهاق من مجرد التفكير والسرد، فما بالك بحالتي وأنا مشغول بهذه الأفكار؟ كيف يمكن أن تكون حالتي النفسية؟ عندما انتهيت من السرد، شعرت بأنني أفتقر للطاقة أمام الطعام، حيث يستهلك الطعام وقتًا كبيرًا من يومي، بالإضافة إلى أن سلوكيات الغذائية وما يترتب عليها لها تأثير كبير على تقديري لنفسي ومزاجي العام.
أنهيت ملاحظة وسرد أفكاري المتعلقة ليوم واحد فقط، ودفعني ذلك لمعاودة قراءة الخطوة الأولى.
يمر الكثير منا بتجارب تتعلق بأفكار مثل "أنا أعاني من هذا المرض". في إطار الزمالة، نشجع أنفسنا على مواجهة أفكارنا القهرية حول الطعام بصدق، وما نواجهه من شراهة وغيره من السلوكيات المدمرة للنفس التي نتبعها لتجنب الإفراط في تناول الطعام، مثل الالتزام بأنظمة غذائية صارمة، الشعور بالجوع، ممارسة التمارين بشكل قاس، أو التحلي بإرادة قوية. عندما نتخصص ونتعامل بصدق مع هذه المشاعر، نتوقف عن إنكار الحقيقة القائلة بأن طريقتنا في التعامل مع الغذاء وآرائنا تجاه الطعام ليست طبيعية، وأننا بالفعل نعاني من هذا المرض.
قرأت هذه الفقرة مرات عديدة وتساءلت: هل أنا حقًا مريضة؟ راجعت الأعراض التي أعانيها وبدأت في مقارنتها مع معايير التشخيص في الدليل الخاص بالاضطرابات والأمراض النفسية. شعرت بالتشتت في أفكاري محاولًا مطابقة الأعراض، وتناولت مشاعري بين الإنكار والقبول والاستسلام. كنت أعتقد أنني لم أكن يومًا سليمة. فالصحة لا تعني فقط الخلو من الأمراض، بل تعني أيضًا أن تكون في حالة جيدة بدنيًا ونفسيًا ومعنويًا وروحيًا. وعلاقاتي المضطربة مع الطعام تؤثر إلى حد بعيد على صحتي النفسية، ورغم أن صحتي لم تتأثر حتى الآن، فمن يعلم ماذا سيحدث غدًا؟
بطاقة المراجعة والتوثيق العلمي
اضطرابات تناول الطعام والشهية والتعافيإشراف ومراجعة أخصائي نفسي إكلينيكي معتمد • فريق المراجعة العلمية والتحرير النفسي — مبادرة مواجدة
تنبيه هام: لا تستخدم هذا المقال لتشخيص نفسك أو الآخرين
المحتوى المنشور في مواجدة مخصص لأغراض التثقيف النفسي والتوعية المجتمعية العامة، ولا يُغني بأي شكل عن التقييم والتشخيص السريري الشامل لدى طبيب أو معالج نفسي مرخص ومختص.
مراجع ومصادر علمية معتمدة لهذا المقال:
-
1.
National Eating Disorders Association (NEDA) — Clinical Overview, Warning Signs, and Evidence-Based Treatment Pathways. الجهة الناشرة: NEDA Research & Clinical Advisory (2023)
-
2.
National Institute for Health and Care Excellence (NICE) — Eating Disorders: Recognition and Treatment (NICE Guideline NG69). الجهة الناشرة: NICE UK Guidelines (2020)
-
3.
American Psychiatric Association (APA) — Practice Guideline for the Treatment of Patients with Eating Disorders (4th Edition). الجهة الناشرة: American Journal of Psychiatry (2023)
عن الكاتب
د. هبة الله عوض - استشارى التغذية العلاجية - المعهد القومى للتغذية
مساهم في التوعية النفسية
مقالات ذات صلة
كيف تتعامل مع القلق اليومي: دليل عملي مبني على العلم
دليل تطبيقي شامل يشرح آليات القلق البيولوجية ويوفر 4 أدوات عملية مثبتة علمياً للتعامل مع التوتر اليومي واستعادة السكينة.
د. سارة الأحمد
كيف تتعامل مع القلق اليومي: دليل عملي مبني على العلم
القلق شعور إنساني طبيعي يمرّ به الجميع في مرحلة ما من حياتهم. لكن عندما يتحوّل إلى رفيق دائم، يصبح من الضروري فهم آليته وتعلّم أدوات للتعامل معه بفعالية. ما...
د. سارة الأحمد
فن الاستماع: كيف تبني علاقات أعمق مع من حولك
كيف يتحول الاستماع الواعي من مجرد صمت إلى أداة قوية لبناء الألفة والأمان العاطفي وتعميق الروابط الإنسانية.
أ. خالد المنصور
فن الاستماع: كيف تبني علاقات أعمق مع من حولك
في عالم مليء بالضجيج الرقمي والتواصل السريع، أصبح الاستماع الحقيقي مهارة نادرة. كثير منا يسمع الكلمات دون أن يستمع حقًا لما وراءها من مشاعر واحتياجات. لماذا...
أ. خالد المنصور