مقال توعوي 3 دقائق للقراءة 1 قراءة

حين تُعالجنا الأرض: مدخل إلى العلاج بالبستنة

أ.د طارق محمد عبدالوهاب حمزة - أستاذ علم النفس - العميد السابق لكلية الآداب جامعة الفيوم -  إعداد وتحرير: عبدالعزيز أحمد

أ.د طارق محمد عبدالوهاب حمزة - أستاذ علم النفس - العميد السابق لكلية الآداب جامعة الفيوم - إعداد وتحرير: عبدالعزيز أحمد

مساهم في التوعية النفسية
•
مشاركة المقال:
حين تُعالجنا الأرض: مدخل إلى العلاج بالبستنة
مقدمة: النبتة لا تحكم عليك
تخيّل أنك تجلس أمام نبتة صغيرة. تسقيها، تلمس تربتها، تلاحظ أوراقها، وتنتظر في هدوء أن تشق طريقها نحو الضوء، لا أحد يطالبك هنا بإجابة مثالية، ولا أحد يستعجلك كي تكون بخير فورًا. النبتة لا تحكم عليك، ولا تُحرجك بأسئلة مباشرة، ولا تضعك تحت ضغط النجاح السريع. هي فقط تحتاج إلى حضور بسيط، ورعاية منتظمة، ووقت كافٍ كي تنمو.
من هنا تأتي قيمة العلاج بالبستنة؛ فهو أحد التدخلات العلاجية والتأهيلية القائمة على استخدام النبات والأنشطة المرتبطة به داخل إطار منظم، بهدف دعم الصحة النفسية والجسدية والاجتماعية. ولا يُقصد به مجرد الزراعة كهواية، بل استخدام علاقة الإنسان بالنبات بوصفها مساحة آمنة للملاحظة، والتنظيم، والتعبير، وبناء المعنى.

ما العلاج بالبستنة؟
العلاج بالبستنة هو تدخل علاجي يستخدم أنشطة مثل الزراعة، والري، ونقل الشتلات، وتقليم الأوراق، وترتيب الأصص، وملاحظة النمو، والعناية بالتربة، أو تصميم ركن أخضر، لتحقيق أهداف علاجية محددة؛ قد تكون هذه الأهداف نفسية، مثل خفض القلق، وتحسين المزاج، وتنمية الصبر، وتعزيز الإحساس بالكفاءة، وقد تكون معرفية، مثل تنشيط الانتباه والذاكرة والتخطيط. وقد تكون اجتماعية، مثل تحسين التواصل والعمل الجماعي. وقد تكون جسدية، مثل تنشيط الحركة الدقيقة والتوازن والمرونة.
لذلك فالعلاج بالبستنة ليس بديلًا عن العلاج النفسي أو الدواء عند الحاجة، بل هو تدخل مساعد يمكن دمجه مع العلاج المعرفي السلوكي، والعلاج بالتقبل والالتزام، والعلاج الحركي، وبرامج التأهيل النفسي والاجتماعي.

البيئة الخضراء وخفض التهديد النفسي
من أهم ما تقدمه البيئة الخضراء أنها تُخفف الإحساس بالتهديد؛ فبعض المرضى يدخلون الجلسات النفسية وهم في حالة دفاعية: يخافون من الحكم عليهم، أو من تحليل كلامهم، أو من مواجهة مشاعرهم بشكل مباشر، أما العمل مع النبات فيوفر مدخلًا غير مباشر. فبدلًا من أن يبدأ الحديث بسؤال: “ما مشكلتك؟” يمكن أن يبدأ بسؤال أبسط: ماذا تحتاج هذه النبتة؟ هل تربتها جافة أم مشبعة؟ هل تحتاج إلى ضوء أكثر؟ هل نتركها قليلًا أم نتدخل الآن؟
هذه الأسئلة تبدو بسيطة، لكنها قد تفتح بابًا عميقًا للحديث عن الذات: الاحتياج، الإهمال، الإفراط في الرعاية، الخوف من الفشل، الصبر، الغضب، والقدرة على الانتظار.

النبتة كمرآة للعلاقات الإنسانية
طريقة تعامل الإنسان مع النبات قد تكشف شيئًا من أنماطه في العلاقة مع نفسه والآخرين؛ فهناك من يبالغ في السقي خوفًا من أن تموت النبتة، وهناك من يهملها لأنه لا يثق في قدرته على الرعاية، وهناك من يغضب إذا لم تنمُ سريعًا، وهناك من يرفض لمس التربة، وهناك من يشعر بالذنب الشديد إذا ذبلت ورقة واحدة؛ هنا لا يتعامل المعالج مع النبات كرمز جامد، بل كفرصة للملاحظة العلاجية. فقد تظهر من خلال النشاط موضوعات مثل:
• نمط التعلق: هل يقترب الشخص بثقة أم بخوف؟
• تحمل المسئولية: هل يلتزم بالرعاية أم ينسحب؟
• العلاقة بالفشل: هل يحتمل ذبول النبات أم يراه دليلًا على فشله الشخصي؟
• ضبط الاندفاع: هل يتدخل بسرعة أم يستطيع الانتظار والملاحظة؟
• الرعاية الذاتية: هل يستطيع أن يمنح النبات ما لا يمنحه لنفسه؟
• المرونة النفسية: هل يغيّر طريقته عندما لا تنجح المحاولة الأولى؟
وبذلك يصبح النبات وسيطًا علاجيًا لطيفًا، يسمح للمريض بأن يرى أنماطه دون مواجهة جارحة أو تفسير مباشر مبكر.

البستنة والتنظيم الانفعالي
العناية بالنبات نشاط بطيء ومنتظم، وهذا البطء جزء من قيمته العلاجية؛ فالمريض يتعلم أن كل شيء لا يُحل فورًا، وأن بعض التغيرات تحتاج إلى وقت، وأن الرعاية الصغيرة المتكررة قد تصنع أثرًا أكبر من التدخل العنيف المفاجئ.
كما أن الأنشطة الحسية المرتبطة بالبستنة مثل لمس التربة، وشم رائحة النبات، ومتابعة اللون، وسماع صوت الماء، وترتيب الأدوات تساعد على تهدئة الجهاز العصبي وإعادة الشخص إلى اللحظة الحاضرة، ولهذا يمكن استخدام البستنة كتمرين عملي في اليقظة الذهنية، والتنفس، والتأمل، وتثبيت الانتباه.

العلاج بالبستنة واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه ADHD
يُعد العلاج بالبستنة واعدًا مع بعض الأفراد ذوي اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، بشرط أن يُصمم بصورة مناسبة لقدراتهم؛ فالنبات لا يصدر أحكامًا، ولا يطلب إجابة فورية، ولا يعاقب على الحركة الزائدة، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى تسلسل، وانتظار، ومتابعة، وتخطيط بسيط.

يمكن للمعالج أن يستخدم أنشطة قصيرة وواضحة مثل:
• ملء الأصيص بالتربة.
• زرع بذرة أو شتلة.
• ضبط كمية الماء.
• ملاحظة التغيرات أسبوعيًا.
• تسجيل النمو في بطاقة بسيطة.
• تقسيم المهمة إلى خطوات صغيرة.
هذه الأنشطة تساعد على تدريب الانتباه، وتأجيل الاستجابة، وتنظيم الحركة، وبناء الإحساس بالإنجاز، والأهم أنها تقدم خبرة نجاح غير مدرسية وغير مهددة، وهذا مهم جدًا لمن اعتادوا سماع النقد بسبب التشتت أو الاندفاع.

كبار السن والبستنة
مع كبار السن لا تكون البستنة مجرد نشاط ترفيهي، بل قد تصبح وسيلة لاستعادة المعنى؛ فالشخص المسن قد يفقد أدوارًا كثيرة: العمل، والمسئوليات اليومية، وبعض العلاقات، أو جزءًا من الاستقلالية، وهنا تمنحه رعاية النبات إحساسًا بأنه ما زال قادرًا على العطاء، وأن وجوده يحدث فرقًا.
يسهم العلاج بالبستنة مع كبار السن في:
• تعزيز الشعور بالوجود والجدوى.
• استعادة الإحساس بالأثر والمعنى.
• تنظيم الروتين اليومي وإعادة هيكلة الوقت.
• تقليل الشعور بالوحدة.
• تنشيط الذاكرة والانتباه من خلال المتابعة المتكررة.
• دعم الحركة الآمنة، خاصة في الأنشطة الخفيفة والمتوسطة.
• تشجيع التفاعل الاجتماعي عند تنفيذ النشاط في مجموعات.
• تعزيز الأمل من خلال رؤية النمو التدريجي.
وتبرز هنا نظرية استعادة الانتباه، التي تقترح أن التعرض للطبيعة أو التفاعل معها قد يساعد الذهن على الراحة من الجهد المعرفي المتواصل، من خلال جذب انتباه هادئ وتلقائي لا يستنزف الطاقة النفسية كما تفعل المهام الضاغطة.

الثبات جزء من العلاج
في العلاج بالبستنة، لا تظهر النتيجة دائمًا في الجلسة نفسها، البذرة تحتاج إلى أيام، والشتلة تحتاج إلى رعاية، والنمو يحتاج إلى صبر. وهذا يعلّم المريض درسًا علاجيًا عميقًا: أن التغيير النفسي لا يحدث دفعة واحدة، بل يتكوّن من أفعال صغيرة متكررة.
الثبات هنا ليس مجرد التزام خارجي، بل تدريب داخلي على الاحتمال، والانتظار، والعودة بعد الانقطاع، وتصحيح الخطأ دون جلد للذات؛ حتى ذبول النبات يمكن أن يصبح مادة علاجية: ماذا نفعل عندما نفقد شيئًا؟ هل نلوم أنفسنا؟ هل نبدأ من جديد؟ هل نتعلم ونعدّل طريقة الرعاية؟

البستنة العلاجية والعلاج النفسي بالبستنة
من المهم التمييز بين مستويين:
البستنة العلاجية مفهوم أوسع، وقد تُستخدم في المدارس، ودور الرعاية، ومراكز التأهيل، والمستشفيات، والمجتمعات المحلية، وتركز على تحسين الرفاه النفسي والاجتماعي والجسدي من خلال أنشطة نباتية منظمة.
أما العلاج النفسي بالبستنة فهو أكثر تخصصًا، ويحتاج إلى معالج مؤهل يستطيع أن يربط النشاط النباتي بصياغة الحالة النفسية، وأهداف العلاج، وطبيعة العلاقة العلاجية. هنا لا تكون النبتة مجرد نشاط، بل وسيطًا علاجيًا يساعد على فهم الانفعالات، والدفاعات، وأنماط التعلق، والعلاقة بالذات والآخرين.

حدود ومحاذير مهمة
رغم فوائده، لا يناسب العلاج بالبستنة كل الأشخاص بالطريقة نفسها؛ ينبغي مراعاة الحساسية من بعض النباتات أو التربة، ومشكلات الحركة، والخوف من الحشرات، والذكريات المؤلمة المرتبطة بأماكن زراعية أو أسرية، وكذلك مستوى الاكتئاب أو الانسحاب أو الاندفاع، كما يجب ألا يُستخدم بطريقة عشوائية أو عقابية، كأن يُطلب من المريض رعاية النبات ثم يُلام إذا مات؛ الهدف ليس اختبار كفاءة الشخص، بل مساعدته على الملاحظة والتعلم وبناء علاقة أكثر رحمة مع نفسه.

خاتمة: حين نتعلم من النبات
النبتة لا تتكلم، لكنها تُعلّم؛ تُعلّمنا أن النمو يحتاج إلى بيئة، وأن الرعاية ليست سيطرة، وأن البطء ليس فشلًا، وأن الذبول لا يعني نهاية الحياة، وفي العلاج بالبستنة، لا تُعالجنا الأرض بمعجزة سريعة، بل تمنحنا مساحة آمنة نرى فيها أنفسنا بوضوح أكبر، ونتعلم أن نرعى ما بداخلنا كما نرعى ما بين أيدينا.

بطاقة المراجعة والتوثيق العلمي

الصحة النفسية العامة والوعي الإنساني

إشراف ومراجعة أخصائي نفسي إكلينيكي معتمد • فريق المراجعة العلمية والتحرير النفسي — مبادرة مواجدة

نُشر في: 29 يونيو 2026
آخر مراجعة: 26 سبتمبر 2026

تنبيه هام: لا تستخدم هذا المقال لتشخيص نفسك أو الآخرين

المحتوى المنشور في مواجدة مخصص لأغراض التثقيف النفسي والتوعية المجتمعية العامة، ولا يُغني بأي شكل عن التقييم والتشخيص السريري الشامل لدى طبيب أو معالج نفسي مرخص ومختص.

مراجع ومصادر علمية معتمدة لهذا المقال:

  • 1.
    World Health Organization (WHO) — World Mental Health Report: Transforming Mental Health for All. الجهة الناشرة: WHO Mental Health and Substance Use (2022)
  • 2.
    American Psychological Association (APA) — Stress in America: Coping Mechanisms and Emotional Resilience. الجهة الناشرة: APA Annual Reports (2023)
  • 3.
    Irvin D. Yalom, M.D. — The Theory and Practice of Group Psychotherapy and Existential Psychology. الجهة الناشرة: Basic Books (2020)
خطوط المساعدة النفسية والدعم الفوري المجاني:
الصحة النفسية بمصر: 08008880700 أو 16328 (24 ساعة مجاناً) • الإسعاف والطوارئ الحادة: 123 • دليل الطوارئ حسب الدولة ←
هل استفدت من المقال؟ شاركه مع من تحب:
أ.د طارق محمد عبدالوهاب حمزة - أستاذ علم النفس - العميد السابق لكلية الآداب جامعة الفيوم -  إعداد وتحرير: عبدالعزيز أحمد

عن الكاتب

أ.د طارق محمد عبدالوهاب حمزة - أستاذ علم النفس - العميد السابق لكلية الآداب جامعة الفيوم - إعداد وتحرير: عبدالعزيز أحمد

مساهم في التوعية النفسية

مقالات ذات صلة

تم نسخ رابط المقال بنجاح!

تم نسخ رابط المقال إلى الحافظة بنجاح، يمكنك مشاركته الآن.