مقال توعوي 3 دقائق للقراءة 1 قراءة

طفلي وُلِد طبيعيًا .. فمتى بدأ التوحد؟

د مي ممدوح محمود - ماجستير في الطب النفسي والزمالة البريطانية في الطب النفسي

د مي ممدوح محمود - ماجستير في الطب النفسي والزمالة البريطانية في الطب النفسي

مساهم في التوعية النفسية
•
مشاركة المقال:
طفلي وُلِد طبيعيًا .. فمتى بدأ التوحد؟
كل أم وأب يحلمان بطفل "طبيعي تمامًا"، لكن أحيانًا تكون علامات التوحد المبكرة أخفى بكثير مما نتخيل. هذه رحلة أسرة اكتشفت شيئًا فشيئًا أن ابنها الصغير، رغم أنه وُلِد بلا أي مؤشر ظاهري، كان يرسل إليها إشارات لم تفهمها إلا بعد وقت.

١- طفل التوحد وُلِد طبيعيًا

دائمًا ما يرتبط بأذهاننا وجود علامات جسدية وسمات في الوجه مميزة للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، فتعتقد أنك بمجرد أن تراه ستعرف أنه من ذوي الهمم، فلا يضعك ذلك في حيرة لتشخيصه.

ولكن في حالتنا نحن، ولدت الأم ولادتها العادية.

ليس شرطًا أن تكون قد تعرضت الأم لتعسُّر أثناء الولادة، ولا أن الطفل قد تعرض لنقص الأكسجين.

يولد الطفل وهو -ظاهريًا- طبيعيًا تمامًا.

٢- التطور الطبيعي مقابل الإشارات التحذيرية

في البداية، لن نشعر بوجود أي تأخر في مراحل نموه.

ها هو الصغير يبتسم ابتسامة اجتماعية عند سن شهرين، يرفع رأسه وهو مُستلقٍ على بطنه ويُصدر أصوات مُناغاة.

وفي عمر الأربعة أشهر يضحك، ويمسك بالألعاب، ينقلب من البطن إلى الظهر، يسند نفسه على ذراعين.

عند سن الستة أشهر بدأ يجلس مع مساعدة، ينقل الشيء بين يديه، يبدأ المُناغاة المُتكررة (مثل با-با، ما-ما) دون معنى.

وأخيرًا بدأ في الجلوس بدون دعم، يحبو ويستخدم قبضته لالتقاط الأشياء الصغيرة في سن التسعة أشهر.

ها قد أتم الصغير سن العام.

ها هو يقف وقد يمشي خطوات، ولكنه لا يُشير بإصبعه لما يريد، بل يجلب أيدينا نحن -أهله- ويوجهها نحو ما يريد حتى نأتي له بها! أمر غريب!

ولكن قد تكون تلك طريقته الخاصة، أليس كذلك؟!

إنه يقول ماما عند مناداتها وبابا وأسماء إخوته الاثنين.

في عمر العام ونصف، لاحظنا تأخرًا لغويًا، بل وأنه لم يعُد يستخدم الكلمات التي كان يستخدمها من قبل!

ولكن من حولنا يطمئنوننا أنه يُخزّن الكلمات فقط ولا داعي للقلق.

بإمكانه أن يبني بُرجًا من مُكعبين كبقية الأطفال، ولكن مهلًا، إنه يُضيف إليه أشياء أخرى!

علبة الزبادي! ريموت التليفزيون، فرشاة الشعر، حذاؤه! لقد رصف طابور طويل منهم!

أول مرة نرى تلك الطريقة، هذا الطفل مُختلف.

٣- العلامات المُنذرة لتشخيص اضطراب طيف التوحد

من حُسن حظه أن لديه أقارب بالقرب من عمره، لا بد أنه سيستمتع باللعب معهم. لكن لماذا يتعامل وكأنه يتجنبهم! قد يجلس بالقُرب منهم، ولكنه لا يلعب معهم!

إنه لا يستجيب لندائاتنا وكأنه لا يسمعنا! هو مطنشنا؟!

بل وأنه لا ينظر إلى أعيننا عند التحدث معه.

تذكرنا أيضًا أن نمط نومه غريب!

إنه يستيقظ في منتصف الليل ليُصدر أصواتًا عالية ويضحك بلا سبب ويظل مستيقظًا عدة ساعات قبل أن ينام مرة أخرى.

قلقنا عليه! نصحتنا قريبةٌ لنا أن نزور طبيبًا نفسيًا! انزعجنا منها! ما الذي تقصده؟! هل هي تُهين ابننا؟! لكن ذلك الطفل بدأ يُصدر تصرفات أخرى غريبة! إنه يأكل أشياء لا تؤكل وقد يضر نفسه!

كما أنه متأخرٌ لغويًا!

حسنًا لا بأس، سنزور ذلك الطبيب لعله يُرشدنا لأقصر طريق لمساعدته!

ربما نُسرع شفاءه ليعود طبيعيًا في خلال أسبوع أو أسبوعين على أكثر تقدير.

٤- استقبال الأهالي لتشخيص اضطراب طيف التوحد

ماذا يقول ذلك الطبيب؟! توحد! لا بُد أن هذا الطبيب لم يدرُس بما فيه الكفاية! سنبحث عن طبيب آخر!

إنه يكرر الكلمة نفسها! توحد!

إذن كم يأخُذ من الوقت لعلاج ذلك التوحد؟ يقول لنا الطبيب أنه ليس مرضًا ليُعالج، بل إنه مُتلازمة! ويبدو أن الأمر سيطول عن أسبوعين!

يقول لنا أنه اضطراب نمائي، أي أنه يبدأ قبل الولادة؛ أي أن جذوره تبدأ أثناء تكوُّن الدماغ في الحياة الجنينية.

فقد وجدت الدراسات اختلافات دقيقة في نمو الخلايا العصبية، وهجرة الخلايا داخل الدماغ، وطريقة تكوّن الوصلات العصبية.

٥- من المُتَّهم؟!

لكن لا يعني هذا أن الوالدين كان بإمكانهما ملاحظة التوحد أثناء الحمل، ولا يعني أن الأم فعلت شيئًا تسبب في حدوثه.

فمعظم الحالات تحدث بسبب تداخل عوامل جينية وعوامل بيولوجية في الدماغ وعوامل بيئية، وليس بسبب تصرف واحد أو حدث واحد أثناء الحمل.

فالأعراض التي يلاحظها الأهل لا تعني أن التوحد بدأ في ذلك الوقت، بل تعني أن آثاره أصبحت قابلة للملاحظة.

٦- المعايير التشخيصية لاضطراب طيف التوحد بحسب DSM-5-TR

ومن المعايير التي إذا تحققت يتم تشخيص اضطراب طيف التوحد بحسب DSM-5-TR:

أ. عجز مستمر في التواصل والتفاعل الاجتماعي في سياقات متعددة، ويظهر في:
١. عجز في التبادل الاجتماعي والانفعالي
٢. عجز في التواصل غير اللفظي، مثل: ضعف التواصل البصري
٣. عجز في تطوير العلاقات والحفاظ عليها وفهمها

ب. أنماط مقيدة ومتكررة من السلوك أو الاهتمامات أو الأنشطة، مثل رفرفة اليدين، ترتيب الألعاب، فرط أو نقص الاستجابة للمثيرات الحسية.

٧- ماذا بعد التشخيص؟!

من كل ما سمعنا وعرفنا؛ تذكرنا كل ما يُشبه ذلك من تصرفات صغيرنا. نصحنا الطبيب بعمل اختبار للسمع لاستبعاد فُقدان السمع كسبب للتأخر اللغوي أو ضعف الاستجابة، ولأنه قد يجتمع التوحد وضعف السمع في الطفل نفسه...

يا لها من صدمة، بالطبع نحن نؤمن بأقدار الله، ونؤمن بأنه سيُعينُنا في ذلك الطريق، لكن يؤلمنا انهيار كل التخيلات التي كُنا بنيناها لذلك الصغير.

لدينا الكثير من التساؤلات التي لم نعثُر لها على إجابات بعد.

شعرنا أننا أنفسنا -كأهل الصغير- بحاجة إلى إرشاد للتعامل مع كل الألم الذي نحمله، وكل الخوف الذي يُعيق تفكيرنا.

وبالفعل تلك المرة لم نتردد في الاستعانة بتوجيه من مُتخصص، لنكتشف بوجود ما يُسمّى بجلسات دعم جماعية.

فاكتشفنا أننا لسنا وحدنا في هذه الرحلة، مما قلل الشعور بالوحدة والعُزلة، وتبادلنا الخبرات العملية، كاستراتيجيات نجحت في التعامل مع النوم أو الطعام أو السلوك، أو التعرف على مراكز التأهيل المناسبة.

٨- الطفل الذي يُعاني من اضطراب طيف التوحد هو إنسان أيضًا!

في نهاية اليوم نظرتُ لطفلي الصغير. بدون توحد أو بوجود توحد، ما زال هو نفسه طفلي الصغير.

له أكلته المُفضّلة، ومكانه المُفضّل، ولعبته المُفضّلة، وحتى لو كان لا يمتلك قدرات خارقة استثنائية، فيمكنني تنمية ما لديه من مهارات.

عاهدته تلك الليلة أن نُنمي ما لديه من قدرات، وأن نكون له دعمًا، ومصدر قوة.

لا نعلم ما يُخبئ لنا الغد، لكن يكفينا اليوم، يكفينا أن نؤدي دورنا اليوم.

✦ فمعرفة علامات التوحد المبكرة لا تمنحنا إجابات جاهزة، لكنها تمنحنا فرصة أن نبدأ الطريق مبكرًا، بجانب أطفالنا، لا في مواجهتهم. ✦

المراجع
الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، الإصدار الخامس المُنقّح (DSM-5-TR) — الجمعية الأمريكية للطب النفسي.
كتاب "التوحد بين النظرية والتطبيق"، د. وليد خليفة، د. يزيد الغصاونة، د. وائل الشرمان.

بطاقة المراجعة والتوثيق العلمي

اضطرابات طيف التوحد والنمو العصبي

إشراف ومراجعة أخصائي نفسي إكلينيكي معتمد • فريق المراجعة العلمية والتحرير النفسي — مبادرة مواجدة

نُشر في: 23 أغسطس 2026
آخر مراجعة: 26 سبتمبر 2026

تنبيه هام: لا تستخدم هذا المقال لتشخيص نفسك أو الآخرين

المحتوى المنشور في مواجدة مخصص لأغراض التثقيف النفسي والتوعية المجتمعية العامة، ولا يُغني بأي شكل عن التقييم والتشخيص السريري الشامل لدى طبيب أو معالج نفسي مرخص ومختص.

مراجع ومصادر علمية معتمدة لهذا المقال:

  • 1.
    American Psychiatric Association (APA) — Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders (DSM-5-TR): Autism Spectrum Disorder Criteria. الجهة الناشرة: American Psychiatric Association (2022)
  • 2.
    World Health Organization (WHO) — Autism Spectrum Disorders: Global Assessment and Clinical Guidelines. الجهة الناشرة: World Health Organization (2023)
  • 3.
    American Academy of Pediatrics (AAP) — Identification, Evaluation, and Management of Children with Autism Spectrum Disorder. الجهة الناشرة: Pediatrics (2020)
خطوط المساعدة النفسية والدعم الفوري المجاني:
الصحة النفسية بمصر: 08008880700 أو 16328 (24 ساعة مجاناً) • الإسعاف والطوارئ الحادة: 123 • دليل الطوارئ حسب الدولة ←
هل استفدت من المقال؟ شاركه مع من تحب:
د مي ممدوح محمود - ماجستير في الطب النفسي والزمالة البريطانية في الطب النفسي

عن الكاتب

د مي ممدوح محمود - ماجستير في الطب النفسي والزمالة البريطانية في الطب النفسي

مساهم في التوعية النفسية

مقالات ذات صلة

تم نسخ رابط المقال بنجاح!

تم نسخ رابط المقال إلى الحافظة بنجاح، يمكنك مشاركته الآن.