مقال توعوي 3 دقائق للقراءة 1 قراءة

حين يصبح الطعام خارج السيطرة.. هل يكون الاعتراف بالعجز بداية التعافي؟

د. هبة الله عوض - استشارى التغذية العلاجية - المعهد القومى للتغذية

د. هبة الله عوض - استشارى التغذية العلاجية - المعهد القومى للتغذية

مساهم في التوعية النفسية
•
مشاركة المقال:
حين يصبح الطعام خارج السيطرة.. هل يكون الاعتراف بالعجز بداية التعافي؟
 الجزء الثاني من الخطوة الأولى يتمثل في التسليم بأن حياتنا أصبحت خارج السيطرة وهو أحد الأمور التي تشكل صعوبة كبيرة للكثير منا. لقد شعرنا بأننا أدرنا حياتنا بشكل جيد على الرغم من مشكلاتنا مع الطعام وزيادة الوزن. 
فقد استطاع الكثيرون منا الاحتفاظ بوظائفهم الجيدة، وإدارة منازلهم بقدر معقول من النجاح. كما أن لدينا أصدقاء يحبوننا، ويحيا الكثيرون منا حياة زوجية جيدة إلى حد ما. ألا أن ذلك لم يجعلنا سعداء.

 ويرجع ذلك بلا شك أننا كنا نعاني من البدانة (أو هكذا كان شعورنا). إننا نتساءل بيننا وبين أنفسنا: إذا ما استطعنا الوصول إلى الوزن المثالي هل ستكون حياتنا مثالية؟ من المؤكد أنه سيكون من المبالغة القول إننا كنا غير قادرين على إدارة شئون حياتنا. إن من المؤكد أننا في حاجة إلى بعض المساعدة للتغلب على مشكلة الإقبال القهري على الطعام. 
أما فيما يتعلق بباقي حياتنا فكل شيء يسير على ما يرام. ومرة أخرى فإن نظرة أمينة على حياتنا هي التي ساعدتنا على اتخاذ الخطوة الأولى. 

هل كنا حقيقة متفوقون في أعمالنا، أم كنا نؤدي العمل بطريقة مقبولة فحسب؟ هل كانت منازلنا هي الأماكن السارة التي نحب التواجد فيها، أم كنا نعيش في محيط من الاكتئاب أو الغضب؟ هل كانت تعاستنا المزمنة مما نعانيه من مشكلات مع الطعام تؤثر على صداقتنا وحياتنا الزوجية؟ هل كنا بحق على صلة بمشاعرنا أم كنا نخفي ما نعانيه من غضب وخوف في قناع كاذب من البهجة والسعادة؟"

أعدت قراءة هذه الفقرة بصوتٍ عالٍ " إننا نتساءل بيننا وبين أنفسنا إذا ما استطعنا الوصول إلى الوزن المثالي فهل ستكون حياتنا مثالية؟! من المؤكد أنه سيكون من المبالغة القول إننا كنا غير قادرين على إدارة شئون حياتنا ولكن من المؤكد أننا بحاجة إلى بعض المساعدة للتغلب على مشكلة الإقبال القهري على الطعام." وما إن أنهيت القراءة حتى راودتني ثلاثة أفكار رئيسية دعتني قراءة الفقرة بتمعن أن أتأملها.

الفكرة الأولى: ماذا لو وصلت إلى الوزن المثالي، ما الذي سيتغير في حياتي وهل ستصبح مثالية؟ هل يمكن أن تتغير بعض الأشياء للأسوأ؟!

الفكرة الثانية: من المبالغة القول أننى غير قادرة على إدارة شئون حياتي، فأنا بالفعل أدير أغلب مناحي حياتي بشكل جيد أو مقبول على الأقل.

الفكرة الثالثة: من المؤكد أننا بحاجة إلى بعض المساعدة للتغلب على مشكلة الإقبال القهري على الطعام.

أمسكت بالورقة والقلم وبدأت في طرح الفكرة الأولى، ماذا لو وصلت إلى الوزن المثالي كيف ستكون حياتي.

وجدت أنني للإجابة عن هذا السؤال أحتاج أن أعرف ما الأشياء التي حرمت منها أو تعطلت عنها بسبب علاقتي المضطربة مع الطعام.

تسببت علاقتي المضطربة بالطعام من حرماني بالتلذذ به، أتناول الطعام دائما في عجلة كأن هناك شخصا يلاحقني وأن عليّ الانتهاء سريعًا من تناول الطعام قبل أن يدركني هذا الشخص فيوبخني أو يرفع الطعام من أمامي. 
ولا يتوقف الأمر فقط على التعجل، بل إنه فور انتهائي من تناول الطعام تنتابني مشاعر متناقضة من الشبع والراحة المصحوبان بالقلق والخزي. كما حرمتني هذه العلاقة من الاستقرار في وزن صحي لفترات طويلة.

 وزني دائم التأرجح بين الزيادة والنقصان، والحق كلما تقدمت في العمر طالت فترات الزيادة والانفلات ويضعني ذلك في مواجهة أسوأ كوابيسي على الاطلاق وهو التعامل مع وصمة "الفتاة البدينة" أو "دبدوبة التخينة".
 تلك الوصمة التي تحرم صاحبتها الكثير من متع الحياة، فلا تستطيع المشي في الشارع دون تلقي تعليقًا جارحًا، لا يمكنها أن تزور طبيبًا إلا ويعلق على وزنها حتى لو لم يكن يسبب لها أي مشكلة صحية، أما عن الأنشطة الترفيهية وممارسة الرياضة فلا يمكن ان تنجو من تعليقًا لاذعًا أو نظرة استنكار أو ابتسامة سخرية.

وإن كانت تلك الوصمة تؤذي صاحبها عندما يمارس الأنشطة الحياتية المعتادة، عليك أن تتخيل عزيزي القارئ كيف يمكن أن تؤثر هذه الوصمة على حياة من يمتهن مهنة "طبيبة تغذية". 

أثرت علاقتي بالطعام على حياتي الاجتماعية كنت أتجنب التجمعات العائلية، والحفلات، والأنشطة الترفيهية، وكنت أميل إلى العزلة. كما تأثرت علاقاتي العاطفية وشعوري بالاستحقاق.

حتى حياتي اليومية تأثرت باضطراب مزاجي وحالتي النفسية فيكفي أن أفقد السيطرة على طعامي أو يزيد وزني كيلوجرامًا واحدًا لأن أصاب بنوبة قلق واكتئاب وأصبح في حالة مزاجية سيئة، وتهبط حالتي المعنوية إلى الحضيض.

نكأت الفكرة الأولى جرحي وآلمتني حتى شعرت أن دمي قد انتثر فوق السطور، فتلك هي المرة الأولى التي أكتب فيها بصدق عما حرمت منه نتيجة اضطراب علاقتي بالطعام.

 أما عن الفكرة الثانية "ربما من المبالغة القول إننا كنا غير قادرين على إدارة شئون حياتنا"، بالتأكيد أنا قادرة على إدارة باقي الجوانب من شئون حياتي ولكنها تلك الوصمة قد صبغت حياتي بلون الأحكام العمياء التي يطلقها الناس على كل من يزيد وزنه، أحكاما قاسية بالفشل والكسل والتراخي وضعف الهمة.
 وربما صدقت أنا عن نفسي هذه الأحكام ولكن بنظرة منصفة وأمينة على جوانب حياتي أجد أني قد نجحت في إدارتها وحققت الكثير في المجال الأسري والمهني والعلمي والاجتماعي.

وبالنسبة للفكرة الثالثة "من المؤكد أننا بحاجة إلى بعض المساعدة للتغلب على مشكلة الإقبال القهري على الطعام." لم أجد في نفسي رغبة في مقاومة هذه الفكرة. لقد كان طرح الفكرة الأولى كافيا للاقتناع بأهمية المساعدة والدعم. 

"لقد قاوم البعض منا هذه الخطوة الأولى لأنها بدت لهم كنوع من التفكير السلبي، حيث إنه إذا قلنا لأنفسنا بأننا لا حول ولا قوة لنا أمام الطعام، فإن ذلك يعني أننا نعطي لأنفسنا مبررًا منطقيًا للتوجه مباشرةً نحو تناول الطعام بشراهة وبصورة لا إرادية".

أصابت هذه الفقرة كبد الحقيقة، لقد اعتدنا على الترديد لأنفسنا أن الأمر يحتاج منا فقط  "قوة الإرادة" وأخذنا لسنوات في شحذ إرادتنا إلا أن ذلك لم يفلح معنا قط. أو بمعنى أدق استطعنا فقط أن نشحذ إرادتنا لأيام أو أسابيع وشهور أو سنوات قليلة ثم تعاودنا عاداتنا القديمة المتعلقة بالطعام فنعود متقهقرين إلى نقطة الصفر.

 والأدهى من ذلك أن بعض منا قد لجأ إلى جراحات استئصال جزئي للمعدة أو تحويل لمسار جهازهم الهضمي وساعدتهم هذه الجراحات لفترات ثم عادوا من جديد لمعاناتهم القديمة مع الطعام ممتلئين بالخيبة والخزي.
 تعرضنا لهذه الهزائم والخيبات بينما نحن نصدق بإرادتنا الحرة أمام الطعام فكيف يكون حالنا إن اعترفنا بعجزنا ألن يعرضنا ذلك لمزيد من الهزائم أم أن الاعتراف سيجعل من الهزيمة أمرًا طبيعيًا ومقبولًا فنتجه إلى الإفراط والتفريط، كيف سيساعدنا الاعتراف بالعجز في التعافي؟! 

وفيما بعد تبين لنا أن هذه الخطوة أبعد ما تكون عن العامل السلبي إذ أن إقرارنا بأنه لا سيطرة لنا على تناول الطعام قد فتح أمامنا بابًا لقوة جديدة ورائعة. لأول مرة في حياتنا، أدركنا وعرفنا وقبلنا هذه الحقيقة عن حياتنا وهي أننا نعاني من الإدمان القهري على تناول الطعام. 

إننا مصابون بعلّة مزمنة لا شفاء منها. إن مرضى السكر يعيشون في خطر التعرض للموت المفاجئ نتيجة عدم متابعة نسبة الأنسولين في أجسادهم ما لم يدركوا حقيقة ما يعانون منه من مشكلة تتعلق بمرض السكر، ويقبلوا هذه الحقيقة، ومن ثم، ينتظمون في تناول الأدوية الموصوفة لهم.

 هكذا الحال بالنسبة لمدمني الطعام، إذ أنه طالما رفضنا الاعتراف بأننا نعاني من هذا المرض الموهن للصحة والمؤدّي للوفاة في النهاية، فلن تكون لدينا الدافعية الكافية ولا الاستعداد لتناول العلاج اليومي الذي يؤدي إلى شفائنا منه.  إنّ إنكارهذه الحقيقة يؤدي إلى الدّمار. إن الطريق الوحيد لإنقاذنا من هذا الأسلوب المدمر في تناول الطعام هو أن نقرّ لأنفسنا بأمانة بحقيقة ما نعاني منه.

أعادتني هذه الفقرة إلى الصواب واستحضرت التعريفات الطبية لكل من السمنة، واضطراب تناول الطعام القهري وإدمان الطعام. حيث تقع كل هذه المصطلحات تحت عنوان واضح في كتب الطب "أمراض مزمنة"
 والمرض المزمن هو مرض لا قابلية للشفاء منه ولكن يمكن التعامل معه والسيطرة عليه ومن ثم تجنب المضاعفات التي قد تنتج عنه. فعندما نأتي طبيًا لتعريف السمنة نقول إنها مرض مزمن، متعدد العوامل والأسباب، متفاقم وقابل للانتكاس، ويتشابه معها في التعريف باقي الأمراض المزمنة مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري.

أما اضطراب تناول الطعام القهري فيقع تعريفه في كتب الأمراض النفسية في الجزء الخاص بالاضطرابات النفسية المتعلقة بالطعام ويعرف كاضطراب نفسي وسلوكي، متعدد العوامل والأسباب يلزم تشخيصه تكرار نوبات التناول القهري لكميات كبيرة من الطعام يفقد فيها الشخص السيطرة على ما يتناول، ولا يتوقف إلا عندما يشعر بالامتلاء ويصحب هذه النوبات مشاعر الخزي والذنب والقلق ونوبات من الحزن والاكتئاب.

 وتتفاوت درجات الإصابة بالمرض حسب عدد تكرار النوبات، كما يصاحب هذه النوبات اجترار للأفكار السلبية حلو الوزن وصورة الجسد وكثيرا ما تكون هذه الأفكار عنصرًا محفزًا للدخول في نوبة نهم لتقليل القلق الناتج عن هذه الأفكار، ولكن على العكس يؤدي الدخول في النوبات إلى مزيد من مشاعر الخزي وازدراء الذات ويحيا المصاب باضطراب النهم القهري في حالة مزمنة من التعاسة والكرب.

وأخيرًا نصل إلى "إدمان الطعام" والحق أنه لا يوجد تعريف موحد لإدمان الطعام نظرًا لطبيعته المتفردة بين أنواع الإدمان الأخرى فهو مزيج الاعتمادية البيولوجية أو الجسدية للمادة ادمان "الطعام" وخاصة أن بعض الأطعمة التي لها أثر واضح على كيمياء الجسم والمؤدية لحالات تشبه الانتشاء الذي يحدث لمدمني الكحول أو المواد المخدرة.
 وهناك شق ثان لإدمان الطعام وهو الاعتمادية النفسية والبيولوجية على فعل التهام الطعام من مضغ وبلع، ويتشابه في ذلك مع باقي الإدمانات السلوكية مثل إدمان الإنترنت أو الشراء.

 كما يتميز إدمان الطعام بتكرار محاولات التوقف الغير موفقة، الاشتياق للطعام والانشغال به فيقضي المصاب ساعات طويلة في التفكير في الطعام وتناوله، والتعافي من اثر الإفراط، كذلك الاستمرار في تكرار السلوك بالرغم من الأضرار الصحية والنفسية والمهنية والعلاقاتية وأخيرًا الحاجة إلى كميات أكبر من الطعام اللذيذ لتحقيق نفس الأثر العاطفي/الاستمتاعي، والألم النفسي أو الجسدي عند محاولة الامتناع عنه.

وبمراجعة التعريفات الطبية استطعت أن أعيد النظر في الخطوة الأولى ووجدت أن الاعتراف بالمرض وعجزنا أمامه، وتأمل أثره على حياتنا واعترافنا بأن حياتنا قد أصبحت خارجة عن السيطرة هي الخطوة الأولى الممهدة لسلوك طريق التعافي.

وبدلًا من أن يكون الاعتراف عذرًا مقبولًا للتمادي، يكون بمثابة البوصلة التي يشير قطبها إلى الطريق الصحيح.

بطاقة المراجعة والتوثيق العلمي

اضطرابات تناول الطعام والشهية والتعافي

إشراف ومراجعة أخصائي نفسي إكلينيكي معتمد • فريق المراجعة العلمية والتحرير النفسي — مبادرة مواجدة

نُشر في: 14 أغسطس 2026
آخر مراجعة: 26 سبتمبر 2026

تنبيه هام: لا تستخدم هذا المقال لتشخيص نفسك أو الآخرين

المحتوى المنشور في مواجدة مخصص لأغراض التثقيف النفسي والتوعية المجتمعية العامة، ولا يُغني بأي شكل عن التقييم والتشخيص السريري الشامل لدى طبيب أو معالج نفسي مرخص ومختص.

مراجع ومصادر علمية معتمدة لهذا المقال:

  • 1.
    National Eating Disorders Association (NEDA) — Clinical Overview, Warning Signs, and Evidence-Based Treatment Pathways. الجهة الناشرة: NEDA Research & Clinical Advisory (2023)
  • 2.
    National Institute for Health and Care Excellence (NICE) — Eating Disorders: Recognition and Treatment (NICE Guideline NG69). الجهة الناشرة: NICE UK Guidelines (2020)
  • 3.
    American Psychiatric Association (APA) — Practice Guideline for the Treatment of Patients with Eating Disorders (4th Edition). الجهة الناشرة: American Journal of Psychiatry (2023)
خطوط المساعدة النفسية والدعم الفوري المجاني:
الصحة النفسية بمصر: 08008880700 أو 16328 (24 ساعة مجاناً) • الإسعاف والطوارئ الحادة: 123 • دليل الطوارئ حسب الدولة ←
هل استفدت من المقال؟ شاركه مع من تحب:
د. هبة الله عوض - استشارى التغذية العلاجية - المعهد القومى للتغذية

عن الكاتب

د. هبة الله عوض - استشارى التغذية العلاجية - المعهد القومى للتغذية

مساهم في التوعية النفسية

مقالات ذات صلة

تم نسخ رابط المقال بنجاح!

تم نسخ رابط المقال إلى الحافظة بنجاح، يمكنك مشاركته الآن.