لماذا نشعر بعدم الأمان بعد الصدمات النفسية؟ وكيف نُعيد تدريب جهازنا العصبي؟
د. أحمد سواحل - استشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان
مساهم في التوعية النفسية
إذا كنت أنت أو أي شخص تعرفه في خطر فوري، أو أزمة نفسية حادة، أو تفكير بإيذاء النفس: فاتصل فوراً بخدمات الطوارئ أو توجه لأقرب مستشفى. القراءة والتواصل عبر واتساب ليسا تدخلاً في الأزمات الحرجة ولا يقدمان وعوداً علاجية.
كثيرًا ما يقال إن الناجين من الصدمات يتوقون إلى الهدوء والأمان، لكن الحقيقة أن الهدوء نفسه قد يتحول إلى مصدر للخوف والقلق! في مقال لـ"ستايسي بيناتيلي"، تُروى قصة شخص عاش طفولة مليئة بالفوضى، وعندما نضج، حقق نجاحًا كبيرًا رغم ضغط العمل الشديد. كانت الفوضى هي البيئة التي اعتادها، لكن عندما تعرض لإصابة أجبرته على البقاء في هدوء وسكون، انتابته نوبات قلق شديدة. وقد قال: عندما يهدأ العالم من حولي، أشعر بالقلق وعدم الأمان، وأشعر وكأنني غريب عن نفسي!.
لم قد يشعرنا الأمان بعدم الأمان؟ لا مبالغة في الأمر، بل هو استجابة بيولوجية حتمية من الجهاز العصبي الذي أنهكته الصدمات:
• استنفار دائم: وقت الأزمات المستمرة، مركز الخوف في المخ (Amygdala) يعمل بأقصى طاقته لحمايتك.
• برمجة مغلوطة: يبرمج جهازك العصبي نفسه على أن الهدوء ما هو إلا السكون السابق للعاصفة، فيظل متأهبًا، ومستفزًا وعاجزًا عن الاستمتاع باللحظة.
• ذاكرة الجسد: يتذكر الجسد كل شيء، ولو استقر في بيئة آمنة تمامًا 100%، يظل يستدعي الخطر القديم ويتعامل مع السكون بوصفه تهديدًا مستترًا.
كيف نعيد تدريب جهازنا العصبي على قبول الهدوء؟
التأمل الصامت التقليدي أو اليوجا وغيرها قد يزيد من القلق فجأة لهذه الحالات، والحل يبدأ بخطوات تدريجية:
1. تمارين التثبيت الأرضي (Grounding) بالتركيز على الخارج:
بدلًا من الالتفات إلى صراعاتك الداخلية، وجه انتباهك للمحيط الخارجي عبر تمرين (5-4-3-2-1):
• تأمل 5 أشياء تراها بعينيك.
• المس 4 أشياء ذات ملامس مختلفة.
• أنصت إلى 3 أصوات حولك.
• استنشق رائحتين مختلفتين.
• تذوق شيئًا واحدًا (قهوة، نعناع.. إلخ).
2. الأنشطة الواعية (Mindful\ Activities):
استغرق بكل حواسك في تفاصيل أي نشاط حركي تقوم به؛ لمنع عقلك من الهروب نحو الأفكار السلبية.
3. التعرض التدريجي:
لا تجبر نفسك على الصمت التام فجأة. ابدأ بـ 5 دقائق فقط في مكان هادئ، ثم زد المدة بالتدريج ليستوعب جسدك وعقلك أن السكون ليس بخطر.
4. مرونة التفكير:
عندما تقلق وقت الراحة، غيّر فكرتك التلقائية:
• بدلًا من: الهدوء مريب، ثمة كارثة توشك أن تقع!
• قل لنفسك: هذا الهدوء وضع طبيعي .. عقلي يشعر بأنه مكشوف ومعرض للخطر، لكن الحقيقة هي أنني في أمان تام الآن.
أن تشعر بعدم الأمان وأنت في مكان آمن، هذا ليس دليل ضعف، بل هو درع دفاعي رفعه جسدك يومًا؛ ليحميك من الهلاك. وتذكر أن التعافي لا يحدث بضغطة زر، إنه رحلة نعلِّم فيها جسدنا برفق ولين؛ أن الأمان لم يعد فخًا، وأن من حقنا السكينة والاطمئنان.
بطاقة المراجعة والتوثيق العلمي
الصدمات النفسية وتنظيم الجهاز العصبيإشراف ومراجعة أخصائي نفسي إكلينيكي معتمد • فريق المراجعة العلمية والتحرير النفسي — مبادرة مواجدة
تنبيه هام: لا تستخدم هذا المقال لتشخيص نفسك أو الآخرين
المحتوى المنشور في مواجدة مخصص لأغراض التثقيف النفسي والتوعية المجتمعية العامة، ولا يُغني بأي شكل عن التقييم والتشخيص السريري الشامل لدى طبيب أو معالج نفسي مرخص ومختص.
مراجع ومصادر علمية معتمدة لهذا المقال:
-
1.
Bessel van der Kolk, M.D. — The Body Keeps the Score: Brain, Mind, and Body in the Healing of Trauma. الجهة الناشرة: Penguin Books (2015)
-
2.
Peter A. Levine, Ph.D. — Waking the Tiger: Healing Trauma and Somatic Experiencing Perspectives. الجهة الناشرة: North Atlantic Books (2020)
-
3.
American Psychological Association (APA) — Clinical Practice Guideline for the Treatment of Posttraumatic Stress Disorder. الجهة الناشرة: APA Guidelines Advisory Panel (2022)
عن الكاتب
د. أحمد سواحل - استشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان
مساهم في التوعية النفسية
مقالات ذات صلة
كيف تتعامل مع القلق اليومي: دليل عملي مبني على العلم
دليل تطبيقي شامل يشرح آليات القلق البيولوجية ويوفر 4 أدوات عملية مثبتة علمياً للتعامل مع التوتر اليومي واستعادة السكينة.
د. سارة الأحمد
كيف تتعامل مع القلق اليومي: دليل عملي مبني على العلم
القلق شعور إنساني طبيعي يمرّ به الجميع في مرحلة ما من حياتهم. لكن عندما يتحوّل إلى رفيق دائم، يصبح من الضروري فهم آليته وتعلّم أدوات للتعامل معه بفعالية. ما...
د. سارة الأحمد
فن الاستماع: كيف تبني علاقات أعمق مع من حولك
كيف يتحول الاستماع الواعي من مجرد صمت إلى أداة قوية لبناء الألفة والأمان العاطفي وتعميق الروابط الإنسانية.
أ. خالد المنصور
فن الاستماع: كيف تبني علاقات أعمق مع من حولك
في عالم مليء بالضجيج الرقمي والتواصل السريع، أصبح الاستماع الحقيقي مهارة نادرة. كثير منا يسمع الكلمات دون أن يستمع حقًا لما وراءها من مشاعر واحتياجات. لماذا...
أ. خالد المنصور