مقال توعوي 3 دقائق للقراءة 1 قراءة

يهرب المدمن دائمًا.. ترى من ماذا يهرب؟ فهم الألم النفسي وراء الإدمان

أنس عادل - اختصاصي نفسي - مراجعة: فريق مبادرة قراء

أنس عادل - اختصاصي نفسي - مراجعة: فريق مبادرة قراء

مساهم في التوعية النفسية
•
مشاركة المقال:
يهرب المدمن دائمًا.. ترى من ماذا يهرب؟ فهم الألم النفسي وراء الإدمان

في الوعي الجمعي لأفراد مجتمعاتنا، دائمًا ننظر للمدمن (سواء إدمان مواد، أو إدمان سلوكي مثل قنوات التواصل الاجتماعي، الطعام، العلاقات، أو العمل) على أنه شخص "يبحث عن المتعة"، أو شخص ليس لديه إرادة، لكن الحقيقة النفسية التي نراها داخل العيادات تخبرنا بالعكس تمامًا: المدمن لا يبحث عن المتعة.. المدمن شخص يعدو بأقصى سرعة كي يتهرب من الألم.

الإدمان في كثير من الأحيان لا يبدأ بحب المادة أو السلوك، لكنه يبدأ بمحاولة للتخلص من مشاعر مؤلمة أو أفكار صعبة، ومع تكرار الهروب يبدأ المخ بتعلم أن أسرع طريقة لتخفيف الألم هي الرجوع لنفس السلوك مرة أخرى، فيتحول الهروب بالتدريج إلى عادة يصعب كسرها.
المدمن في حالة "هروب مستمر"، وجدول يومه عبارة عن رحلة لشخص مذعور لغلق منافذ الوعي. لكن السؤال الأهم: من ماذا يهرب المدمن تحديدًا؟

1 .  الهروب من "صوت الأفكار التلقائية"

وقت الأزمات أو الصدمات، يبدأ العقل بفرز أفكار تلقائية مشوهة (Automatic Thoughts)، مثل: "أنت فاشل"، "أنت وحيد"، "لا أحد يحبك". هذا الصوت يكون عاليًا ومؤلمًا لدرجة لا تطاق. هنا المادة الإدمانية أو السلوك الإدماني يعمل كـ *"مخدر صوتي"* .. شيء ما يقوم بعمل (Mute) لهذا الصوت فورًا، فيشعر العقل بالراحة لثوانٍ معدودة من جلد الذات.
ومع تكرار التجربة، يبدأ المخ بالربط بين الألم النفسي وبين الإدمان، فيصبح هو الحل الأول الذي يخطر ببال الشخص عند أي ضغط هو الهروب، وليس المواجهة.

2 .  الهروب من "فخ الفراغ والملل"

الفراغ بالنسبة لشخص يحمل ألم قديم ليس مجرد "وقت فارغ"، الفراغ هو المساحة التي يستغلها الماضي حتى يقوم بالهجوم عليه بكل ذكرياته ومواقف الألم القديمة، المدمن يهرب من الفراغ لـ "التسلية/اللهو" في أي شيء.. المهم ألا يُترك وحيدًا مع عقله.
وهو ما يفسر لماذا يقول الكثيرون: "عندما أجلس وحيدًا أقوم بفعل أي شيء" لأن المشكلة ليست في الوحدة نفسها، لكن فيما يظهر مع الوحدة.

3 .  الهروب من "مواجهة العجز"

المواجهة في حاجة إلى طاقة وشجاعة (Psychological Resilience)، وإنسان منطفئ وتحت ضغط نفسي مستمر، يكون "مفلس للطاقة". العقل في هذا الوقت لا يتفكر في "أفضل حل" (مثل المواجهة أو العلاج)، هو يفكر في "أسرع مسكن" حتى يوقف النزيف النفسي الآن وبأي ثمن.
وهذا لا يعني أن الشخص ضعيف، ولا أنه عديم الإرادة، لكن معناه أن الألم أصبح أكبر من قدرته الحالية على المواجهة، ولذلك يكون في حاجة إلى دعم وعلاج، وليس لوم وإدانة.

 الفاتورة المؤجلة.. الهروب بفوائد مدمرة

الهروب بالإدمان يشبه تمامًا من يقترض "قرضًا بفوائد ضخمة" حتى يقوم بسداد خانة مؤقتة. هذا المسكن اللحظي يعطيك كمية كبيرة من الدوبامين في ثوانٍ، ويشعرك بالانفصال التام عن الواقع، لكن مع زوال المفعول، تستيقظ فتجد نفس الألم القديم ينتظرك.. ولكن معه أيضًا "إحساس بالذنب والخزي" من الهروب نفسه، فتدخل في حلقة مفرغة:

(تعب .. هروب .. ذنب .. تعب أكتر)

ومع مرور الوقت، لا يهرب الشخص من الألم الأول فقط... لكنه أيضًا يهرب من الذنب الذي سببه الإدمان، فتتعقد الدائرة أكثر.

 الخلاصة:
المشاعر التي نقوم بدفنها حية .. لا تموت. والألم الذي نتهرب منه بالإدمان يظل محبوس بداخل الوعي، ويتحول لقلق وتوتر، ويجعل الروح تتآكل بالبطيء  الروح منتظرًا لحظة الانهيار.

التعافي لا يبدأ عندما يتوقف المدمن عن التعاطي "يبطل"، التعافي الحقيقي يبدأ عندما يمتلك الشجاعة والمساحة الآمنة بأن يقف.. ويتوقف عن العدو.. ويواجه الألم الذي تهرب منه طوال السنوات الماضية؛ لأن الإدمان في النهاية... ليس هو أصل المشكلة، لكنه غالبًا محاولة لحل مشكلة أعمق لم تجد من يسمعها أو يفهمها.

المراجع:

Beck, J. S. (2021). Cognitive Behavior Therapy: Basics and Beyond (3rd ed.). Guilford Press.
الخراط، إيهاب. (2022). التعافي من الإدمان
الإدمان بين الوقاية والعلاج
التوثيق: المهدي، محمد. (2015). الإدمان بين الوقاية والعلاج.

بطاقة المراجعة والتوثيق العلمي

علم الإدمان والألم النفسي ومسارات التعافي

إشراف ومراجعة أخصائي نفسي إكلينيكي معتمد • فريق المراجعة العلمية والتحرير النفسي — مبادرة مواجدة

نُشر في: 14 أغسطس 2026
آخر مراجعة: 26 سبتمبر 2026

تنبيه هام: لا تستخدم هذا المقال لتشخيص نفسك أو الآخرين

المحتوى المنشور في مواجدة مخصص لأغراض التثقيف النفسي والتوعية المجتمعية العامة، ولا يُغني بأي شكل عن التقييم والتشخيص السريري الشامل لدى طبيب أو معالج نفسي مرخص ومختص.

مراجع ومصادر علمية معتمدة لهذا المقال:

  • 1.
    National Institute on Drug Abuse (NIDA) — Drugs, Brains, and Behavior: The Science of Addiction. الجهة الناشرة: National Institutes of Health (NIH) (2022)
  • 2.
    Substance Abuse and Mental Health Services Administration (SAMHSA) — Trauma-Informed Care in Behavioral Health Services (TIP 57). الجهة الناشرة: SAMHSA HHS (2021)
  • 3.
    Gabor Maté, M.D. — In the Realm of Hungry Ghosts: Close Encounters with Addiction and Trauma-Informed Healing. الجهة الناشرة: North Atlantic Books (2018)
خطوط المساعدة النفسية والدعم الفوري المجاني:
الصحة النفسية بمصر: 08008880700 أو 16328 (24 ساعة مجاناً) • الإسعاف والطوارئ الحادة: 123 • دليل الطوارئ حسب الدولة ←
هل استفدت من المقال؟ شاركه مع من تحب:
أنس عادل - اختصاصي نفسي - مراجعة: فريق مبادرة قراء

عن الكاتب

أنس عادل - اختصاصي نفسي - مراجعة: فريق مبادرة قراء

مساهم في التوعية النفسية

مقالات ذات صلة

تم نسخ رابط المقال بنجاح!

تم نسخ رابط المقال إلى الحافظة بنجاح، يمكنك مشاركته الآن.