مقال توعوي 3 دقائق للقراءة 1 قراءة

أنماط الشخصيات في المجموعة العلاجية: كيف يتعامل المعالج مع كل نمط؟

د. أحمد سواحل - استشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان

د. أحمد سواحل - استشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان

مساهم في التوعية النفسية
•
مشاركة المقال:
أنماط الشخصيات في المجموعة العلاجية: كيف يتعامل المعالج مع كل نمط؟
المجموعة العلاجية مرآة للحياة 
أنماط الشخصيات في المجموعة العلاجية وفق يالوم: الصامت، المستحوذ، المشتكي، والمتحكم، وكيف يتعامل معها المعالج النفسي.


تُعدّ أنماط الشخصيات في المجموعة العلاجية من أكثر الموضوعات إثارةً في علم النفس العلاجي. فحين يجتمع عدد من الأفراد في فضاء علاجي مشترك، لا يجلسون مجرد مستمعين أو متحدثين عشوائيين؛ بل يُعيدون — دون أن يدركوا ذلك دائمًا — تمثيلَ أنماطهم المعتادة في العلاقات، بكل ما تحمله من توترات ومخاوف وآليات دفاع.
كان المعالج النفسي الأمريكي الكبير إرفين يالوم يرى أن المجموعة العلاجية تمثّل "كونًا مصغرًا" للحياة الواقعية. بمعنى أن ما يحدث داخل الغرفة العلاجية هو انعكاس أمين لما يعيشه كل شخص في علاقاته اليومية. ومن هنا تنبع قيمة هذه المجموعات: فهي ليست مجرد مساحة للتعبير، بل مختبر حيّ لفهم الذات وإعادة بناء أنماط التواصل.
في هذا المقال، نستعرض أبرز هذه الأنماط، ونقترح أساليب التعامل معها وفق مبادئ العلاج الجمعي.

 أولًا: العضو الصامت
 يحضر هذا الشخص بانتظام، ويُصغي باهتمام واضح، غير أنه نادرًا ما يتحدث عن نفسه أو يُشارك تجاربه الشخصية. قد يبدو في البداية "مريحًا" للمعالج، لكنه في الحقيقة يحرم نفسه من الاستفادة الكاملة من العملية العلاجية، ويحرم المجموعة في الوقت ذاته من فرصة التعرف عليه.

ما الذي يختبئ خلف الصمت؟
يرتبط هذا النمط في الغالب بـ:
  • الخوف من الحكم أو الرفض: يُفضّل الشخص البقاء في الظل على المجازفة بالكشف عن نفسه.
  • الشعور بعدم الأمان: إذ لم يتشكّل بعدُ ما يكفي من الثقة بالمجموعة.
  • السيطرة الخفية: فالصامت يعرف الكثير عن الآخرين بينما يظل هو مجهولًا، وهو نوع من القوة الصامتة. ثالثًا: الشخصية المملة 
كيف يتعامل المعالج مع هذا النمط؟
لا يُنصح بالضغط المباشر أو الإحراج؛ فذلك قد يُعمّق الانسحاب. بدلًا من ذلك، تكون الدعوة اللطيفة أجدى، كأن يقول المعالج: "يبدو أنك كنت مركّزًا جدًا ومهتمًا... ما الذي أثّر فيك أكثر مما سمعته اليوم؟"
كذلك يمكن استثمار ردود أفعال المجموعة تجاه صمته، إذ قد تكشف عن ديناميكيات مثيرة للاهتمام تساعد في فهم العلاقة معه.
 
 ثانيًا: المستحوذ على الكلام
يأخذ هذا العضو معظم وقت الجلسة؛ يتحدث بتفصيل مُسهب، وينتقل من موضوع إلى آخر دون توقف. قد يبدو سلوكه أنانيًا في ظاهره، لكنه في جوهره غالبًا ما يعكس قلقًا عميقًا وخوفًا من الصمت أو الإهمال.
التدخل العلاجي هنا يقوم على الحزم اللطيف: مقاطعة الحديث بأسلوب محترم وإعادة التركيز نحو المجموعة، كأن يقول المعالج: "دعونا نتوقف لحظة، ونرى كيف استقبل الأعضاء ما قيل." الهدف ليس إسكات هذا الشخص، بل مساعدته على إدراك تأثير سلوكه على من حوله، وهو في حد ذاته درس علاجي ثمين.

ثالثًا: الشخصية المملة
حين يبدأ هذا الشخص في الحديث، يُلاحَظ فورًا انخفاض طاقة المجموعة. يتحدث بإسهاب عن تفاصيل يومية مُجرَّدة من العاطفة: رحلة المواصلات، تسلسل أحداث يومه منذ الصباح، دون أن يصل إلى نقطة وجدانية حقيقية.
لكن المشكلة ليست غياب الإثارة في شخصيته؛ المشكلة هي أن التفاصيل تُشكّل درعًا واقيًا يحول دون الاقتراب من المشاعر الحقيقية. فبدلًا من أن يقول "أشعر بالوحدة"، يُفضّل سرد قصة طويلة عن يومه.

دور المعالج في كسر هذا النمط
يتمثل دور المعالج في تحويل مسار الحديث من الأحداث إلى المشاعر، وذلك عبر أسئلة موجّهة مثل:
  • "كيف كنتَ تشعر في تلك اللحظة؟"
  • "ما الجزء الذي أثّر فيك أكثر من هذه القصة؟"
مع الوقت، يكتشف الشخص أن ما يجذب الآخرين إليه ليس كثرة التفاصيل، بل الصدق والقدرة على التعبير عن الذات بصورة أعمق.

رابعًا: الشخصية التي تشكو وترفض المساعدة — مأزق "نعم... ولكن"
من أكثر الأنماط استنزافًا لطاقة المجموعة هو الشخص الذي يطلب الدعم والنصيحة باستمرار، ثم يقابل كل اقتراح بعبارة: "نعم، لكن..." وعلى مدار الجلسات، يتراكم لدى الأعضاء شعور بالعجز وكأن لا حل ممكن.
هنا لا تكفي النصائح ولا التعاطف وحده؛ فالتعاطف المفرط بلا حدود يُضخّم الفوضى الداخلية دون أن يُشبعها، والحزم المُفرط قد يُحوّله إلى شعور بالهجر. لذا، يسعى المعالج إلى تحويل التركيز من المشكلة الخارجية إلى الديناميكيات الداخلية للمجموعة، ويستكشف مع الشخص: هل يتكرر هذا النمط في حياته خارج الجلسات أيضًا؟

خامسًا: المتحكم أو القاضي الأخلاقي 
يتصرف هذا العضو أحيانًا كمساعد المعالج غير الرسمي؛ يُوزّع النصائح، ويُحلّل شخصيات الآخرين، ويُخبرهم بما ينبغي فعله، لكنه نادرًا ما يتحدث عن نفسه أو يكشف عن هشاشته الشخصية.
في أغلب الأحيان، يكون انشغاله بإصلاح الآخرين وسيلة لتجنّب مواجهة نقاط ضعفه الخاصة. يُعيد المعالج هنا توجيه انتباهه بلطف: يسأله عن مشاعره لا عن آرائه، ويحوّل النصائح التي يُقدمها إلى أداة لاستكشاف احتياجاته وصراعاته الشخصية.

خاتمة: "لا تحارب السلوك... استخدمه"
تلك هي القاعدة الذهبية التي صاغها يالوم في تعامله مع أنماط الشخصيات في المجموعة العلاجية. فالصمت، والاستحواذ على الكلام، والمقاومة، والسيطرة — كلها ليست عقبات تقف أمام العلاج، بل هي مواد خام يمكن للمعالج توظيفها.
بدلًا من أن يسأل: "كيف أوقف هذا السلوك؟" ينبغي له أن يسأل: "كيف يؤثر هذا السلوك علينا هنا والآن، داخل هذه الغرفة؟"
لأن المجموعة العلاجية في نهاية المطاف مختبر مصغّر للعلاقات الإنسانية. وما يتمكن الفرد من فهمه وتغييره داخل المجموعة، يزداد قدرته على تغييره في حياته خارجها.
 

بطاقة المراجعة والتوثيق العلمي

الصحة النفسية العامة والوعي الإنساني

إشراف ومراجعة أخصائي نفسي إكلينيكي معتمد • فريق المراجعة العلمية والتحرير النفسي — مبادرة مواجدة

نُشر في: 3 يونيو 2026
آخر مراجعة: 26 سبتمبر 2026

تنبيه هام: لا تستخدم هذا المقال لتشخيص نفسك أو الآخرين

المحتوى المنشور في مواجدة مخصص لأغراض التثقيف النفسي والتوعية المجتمعية العامة، ولا يُغني بأي شكل عن التقييم والتشخيص السريري الشامل لدى طبيب أو معالج نفسي مرخص ومختص.

مراجع ومصادر علمية معتمدة لهذا المقال:

  • 1.
    World Health Organization (WHO) — World Mental Health Report: Transforming Mental Health for All. الجهة الناشرة: WHO Mental Health and Substance Use (2022)
  • 2.
    American Psychological Association (APA) — Stress in America: Coping Mechanisms and Emotional Resilience. الجهة الناشرة: APA Annual Reports (2023)
  • 3.
    Irvin D. Yalom, M.D. — The Theory and Practice of Group Psychotherapy and Existential Psychology. الجهة الناشرة: Basic Books (2020)
خطوط المساعدة النفسية والدعم الفوري المجاني:
الصحة النفسية بمصر: 08008880700 أو 16328 (24 ساعة مجاناً) • الإسعاف والطوارئ الحادة: 123 • دليل الطوارئ حسب الدولة ←
هل استفدت من المقال؟ شاركه مع من تحب:
د. أحمد سواحل - استشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان

عن الكاتب

د. أحمد سواحل - استشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان

مساهم في التوعية النفسية

مقالات ذات صلة

تم نسخ رابط المقال بنجاح!

تم نسخ رابط المقال إلى الحافظة بنجاح، يمكنك مشاركته الآن.